سهيلة عبد الباعث الترجمان

521

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

وإن كان شريفا بالذات فإن له شرفا آخر يرجع إليه من معلومه ، فإنها صفة عامة التعلق وتشرّف المفاتيح بشرف الخزائن ، وتشرّف الخزائن بقدر شرف ما اختزن فيها ، فالموجود الحق أعظم الموجودات وأجلّها وأشرفها ، فالعلم به أشرف العلوم وأعظمها وأجلّها " « 1 » . لذا نرى ابن عربي يحدد موقفه من أهل الرسوم ويرى أن هذا الأمر محرم على الفقهاء وأهل الرسوم المنكبّين على الدنيا وزخرفها ، ولهذا حرص أن يكون الكشف عنده على ميزان الشرع حيث أشار الجنيد من قبل إلى ذلك بقوله : " علمنا هذا مقيّد بالكتاب والسنّة فهو الميزان وليس يلزم في هذا الميزان عين المسألة أن تكون مذكورة في الكتاب أو السنّة " « 2 » . وإن كان ابن عربي يتوسع في هذا المعنى فيرى فيما معناه أن توازن الأمور بأصول الكتاب والسنّة فيقول : " وإنما الذي عليه القوم أن يجمعهما أصل واحد في الشرع المنزل من كتاب أو سنّة على لسان أي نبيّ كان من آدم عليه السلام إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم " « 3 » . ولذلك ينفر من تحامل الفقهاء على الصوفية ودعوتهم إلى العامة كي ينفروا منهم فيقول متعجبا منهم متسائلا : " ولماذا متى جاءت أمور يحيلها العقل على ألسنة الرسول أو النّبيّ قبلها العامة إيمانا والفقهاء تأويلا ، ثم لا يقبلونها من العارفين إذا تحققوا من صدقها كشفا بسبب التزامهم للشرع فإن الأولياء إذا عملوا بما شرّع لهم ، هبّت عليهم من تلك الحضرة الإلهية نفحات جود إلهي كشف لهم من أعيان تلك الأمور الإلهية التي قبلت من الأنبياء عليهم السلام ما شاء اللّه ، فإذا جاء بها هذا الولي كفر ، والذي يكفّره يؤمن بها إذا جاء بها الرسول ، فما أعمى بصيرة هذا الشخص " « 4 » ويردّ ابن عربي سبب ذلك إلى عجز هؤلاء عن مجاراة أهل الكشف وما كل أحد يقدر على جلاء مرآة قلبه بالمجاهدة والرياضة حتى يصير قادرا على فهم كلام أهل اللّه ويدخل دائرتهم ، ولكن للّه في ذلك حكم وأسرار « 5 » .

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 361 . ( 2 ) المصدر السابق ، الجزء الثالث ، ص 8 . ( انظر محمود قاسم ، الخيال في مذهب ابن عربي ، ص 99 ) . ( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الثالث ، ص 8 . ( 4 ) المصدر السابق ، الجزء الثالث ، ص 8 . ( 5 ) الشعراني ( عبد الوهاب ) ، اليواقيت والجواهر ، مصدر سابق ، ص 26 .